يونيو 10, 2026
IMG-20191231-WA0022

الصحفي هو الوطن… والحقيقة لا تموت
كتب أحمد حوذان

في يوم الصحافة اليمنية، لا أجد وصفًا أدق لهذه المهنة من القول إن الصحفي هو الوطن حين ينطق، وهو المواطن حين يكتب، وهو الضمير حين يراقب، وهو الجسر الذي تعبر عليه الحقيقة من الواقع إلى الناس. فالصحافة ليست وظيفة أو وسيلة لكسب الرزق فحسب، بل رسالة ومسؤولية وأمانة، وقد تكون في كثير من الأحيان موقفًا أخلاقيًا يدفع صاحبه ثمنه من راحته وأمنه ومستقبله.

على الصحفيين المبتدئين، عند محاولتك للكتابة حول موضوع ما سواء كان مقالًا أو تقريرًا أو خبرًا، لا تيأس إذا لم تُقبل وسيلة لنشر لك. فالنشر ليس نهاية الفكرة ولا معيار قيمتها. فالكلمة التي لا تُنشر اليوم قد تتحول غدًا إلى مادة تُقرأ على نطاق واسع، وقد تصبح لاحقًا مرجعًا يُستشهد به في سياق مختلف تمامًا. كان قبل وصول الإنترنت ننزل ميدانيًا ونكتب تقارير، ونخسر مالًا وجهدًا، ونقدمها إلى صحيفة، وننتظر فترات طويلة عندهم. وفي يوم من الأيام نفاجأ بأن هذا التقرير قد نُشر، خصوصًا إذا كان الطابع قد تناول موضوعك للطباعة، يتم أرشفة موضوعك الصحفي. وهذا الأمر يعرفه جيدًا الصحفيون المحترفون الذين يدركون قيمة المادة الاستطلاعية الميدانية، وأن المادة الصحفية ليست شيئًا عابرًا يمكن الاستغناء عنه، بل قد يأتي وقتها في لحظة مختلفة تمامًا عن وقت كتابتها. بل إن قيمة الصحافة الحقيقية كانت تُقاس دائمًا بقدرتها على البقاء، لا بسرعة ظهورها. خصوصًا إذا كان التقرير يلامس حياة الإنسان مباشرة، أو يقترب من وجعه اليومي، أو يكشف خللًا يمس معيشته. فكلما اقترب الصحفي من الناس أكثر، ابتعد عن الزينة الشكلية للكتابة، واقترب من جوهر المهنة. في عام 2010 أذكر أنني قدمت مادة صحفية حول محصول الطماطم في تهامة، الذي يأتي موسمًا ثم يذهب، ويكون سعره رخيصًا، ولا يستفيد منه المزارعون بالشكل المطلوب. وكان السبب أن لا توجد حافظات ولا مصانع لهذا المحصول، ولا بنية اقتصادية تحفظ هذا الجهد الزراعي. جلست فترة تقارب أربعة أشهر، ثم نسيت الموضوع، وفجأة أتفاجأ بتناول موضوعي ونشره بقوة، وكأنه اكتشاف جديد، رغم أنه كان مكتوبًا منذ البداية. وهنا يتأكد أن الصحافة ليست لحظة كتابة فقط، بل أثر يمتد، وقد يتأخر ظهوره لكنه لا يموت. التقارير التي تلامس هموم المواطنين ليست مجرد حدث آنٍ، بل هي معالجة قضية حقيقية، تمس حياة الناس، وتعيد قراءة الواقع من زاوية مختلفة، وتضع الإصبع على مكامن الخلل دون مجاملة. ولذلك على الصحفي ألا ييأس من العمل الصحفي، لأنها مهنة المتاعب فعلًا، لكنها في المقابل—وللأمانة—تمنح راحة نفسية عميقة، حين تدرك أنك كتبت شيئًا قد يُصلح خللًا، أو يكشف فسادًا، أو ينصف إنسانًا لا صوت له. فالصحافة وحدها من تكشف مكامن الخلل، وتراقب الفساد، وتساهم في تجفيف منابعه، أو على الأقل فضحه أمام الرأي العام، وتمنع تحوله إلى واقع دائم. ومن يريد أن يكون أكثر وعيًا وإدراكًا وصبرًا، فلا بد أن يدرك أن الصحافة ليست مهنة سطحية، بل تراكم خبرة، واحتكاك بالميدان، وصبر طويل على النتائج.

وفي يوم الصحافة اليمنية، نستحضر واحدة من أهم المحطات في تاريخ المهنة. فمن الإنصاف أن نقول إن الصحافة اليمنية، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2014، عاشت مرحلة استثنائية من الحضور والتأثير. لم تكن تلك السنوات مثالية، ولم تكن خالية من الأخطاء أو الضغوط، لكن مساحة الحرية كانت أوسع، والصحف الحزبية والمستقلة والأهلية كانت تمارس دورها في النقد وكشف القضايا ومناقشة الشأن العام، وكانت التحقيقات الصحفية والاستطلاعات الميدانية تجد طريقها إلى النشر وتثير نقاشات واسعة داخل المجتمع.

في تلك المرحلة، كانت غرف الأخبار تعج بالحياة، وكانت المطابع لا تهدأ، وكانت الصحف تصل إلى القرى والمدن، ويترقبها الناس لمعرفة ما يدور في البلاد. كان الصحفي يبحث عن المعلومة ويلاحقها، ويجوب المحافظات ليكتب عن معاناة المزارعين والصيادين والعمال والطلاب والمرضى. وكانت المنافسة قائمة على جودة المحتوى والسبق المهني وقيمة الفكرة.

لكن انقلاب الحوثيين في عام 2014 لم يكن انقلابًا على الدولة ومؤسساتها فحسب، بل كان انقلابًا على الكلمة الحرة أيضًا. فمنذ الأيام الأولى بدأت عملية ممنهجة لإخضاع الإعلام، وإغلاق الصحف، ومصادرة المؤسسات الإعلامية، وتكميم الأفواه، وتحويل المهنة إلى ساحة محفوفة بالمخاطر. اختُطف الصحفيون، وأُخفي بعضهم قسرًا، وتعرض آخرون للتعذيب والمحاكمات غير القانونية، واضطر كثيرون إلى مغادرة منازلهم ومدنهم وترك أعمالهم ومصادر رزقهم.

خسرت الصحافة اليمنية عشرات المؤسسات والمنابر، وخسر الصحفيون شعورهم بالأمان، لكنهم لم يخسروا إيمانهم بالحقيقة. فبينما كانت الجماعة تسعى إلى فرض رواية واحدة، كان الصحفيون اليمنيون في الداخل والخارج يواصلون نقل الوقائع وكشف الانتهاكات وتوثيق الجرائم وفضح مشاريع التضليل. ولهذا لم تستطع آلة القمع، رغم سطوتها، أن تنتصر بالكامل على الكلمة.

السلطة الرابعة ليست مجرد توصيف، بل هي مسؤولية ثقيلة. فهي ترسم على الصحفي الأمين الثقة، وعلى الصحفي الصادق المصداقية. فالصحفي هو الوطن حين ينطق، وهو المواطن حين يكتب، وهو الضمير حين يراقب، وهو الجسر الذي تعبر عليه الحقيقة من الواقع إلى الناس. بل إن الصحفي في جوهره ليس ناقلًا للخبر فقط، بل شاهد على زمنه، ومسجلًا لتحولاته. الصحفي يتصدى لهجوم المتطفلين والفاسدين والعملاء، ليس بالشعارات، بل بالمعلومة والتحقيق والوثيقة. الصحفي اليمني قد يجوع، وقد يأكل (خمير يابس) أحيانًا، وقد لا يصطبح، لكنه في النهاية لا يبيع الوطن، ولا يفرط في قضيته الأساسية.

ولو عدنا إلى تاريخ الإمامة، التي كانت تستفرد بالأرض والإنسان لعشرات السنين، والتي حطمت أحلام اليمنيين بالظلامية، والإعدامات الجماعية، والجوع، والفقر، والخوف، سنجد أن ثلة قليلة فقط حاولت أن تواجه ذلك الفكر، لكنها تحولت إلى أهداف مباشرة، وأصبح مصيرها القتل أو الإعدام بالسيف. وكان الشعراء والكتّاب في تلك الفترة فقط هم من يحاولون رسم الوجه القبيح لذلك الواقع، لكن كثيرًا منهم قُتلوا، وعُذبوا، وسُجنوا، وأُسكتت أصواتهم. والذاكرة اليمنية لا تنسى أن الكلمة كانت أول من واجه القمع، وآخر ما بقي حين سقطت كل وسائل المواجهة الأخرى.

اليوم، وبفضل الصحفيين والوعي، لم يتحقق أي حلم لما يسمى بالتمدد أو الإرهاب الحوثي، رغم قوة السلاح، والقيود، والأغلال، والقتل، وكل أشكال القمع. ومع ذلك لم ينجح المشروع بالكامل، لأن الصحفيين كانوا في مقدمة من واجهوا أداة القمع، وكشفوا مشروعها الكاذب أمام الناس. لأن الحقيقة حين تُكتب بضمير، تتحول إلى مقاومة يصعب إسكاتها.

تعرض الكثير، وأنا واحد منهم، للقيد والإهانة، لكن الصمود لم يعرف الانكسار. قُتل زملاء، وشُرد آخرون، والبعض ما يزال تحت أداة القمع الحوثي في السجون، والبعض الآخر اضطر لترك المهنة قسرًا. لكن ما لم يُكسر هو إصرار الصحفي على أن تبقى الحقيقة حية، مهما تغيّر الواقع أو اشتدت الضغوط.

قضايا مصيرية تتعلق بالوطن استطاع صحفيون يمنيون أن يتصدوا لها ويكشفوها رغم المخاطر. فالصحفي لا يطبل، مستحيل أن يكون كذلك إذا كان صادقًا، لكنه يكتب الحقيقة والواقع، حتى لو اصطدمت هذه الحقيقة بمصالح بعض المسؤولين أو الجهات النافذة. وعندها فقط يتضح الفرق بين من يعمل للمصلحة العامة، ومن يعمل لتجميل الواقع.

فالصحفي الصادق قد يميل إنسانيًا مع شخص يعمل معه أو يعرفه، لكنه لا يتوانى عن قول الحقيقة إذا كانت مرتبطة بحزب أو شخصية أو فساد داخل أي جهة، حتى وإن لم يكتب عنها علنًا، فإنه يدركها ويطرحها في سياقها المهني بين زملائه، لأنه لا يستطيع أن يصمت أمامها.

اليوم، أكثر الصحفيين معركتهم واتجاهاتهم واضحة تجاه العدو الحوثي، وكتاباتهم تعزز الثقة في توحيد الصف، والتوافق بين أهم حزبين يمنيين. ويرى الصحفيون الصادقون أن التوافق بين هذه القوى هو الطريق الذي سيحقق حلم اليمنيين في استعادة صنعاء، وهذا أمر يدركه الجميع. فالمعركة الحقيقية ليست بين الصحفيين، بل بين الوعي والجهل، وبين الدولة والفوضى.

فكل من يسعى لتدمير الأواصر بين أبناء اليمن، ليسوا صحفيين، بل مصلحيين أو ناشطين لا يعرفون قواعد الصحافة والإعلام. فالصحفي الذي تعلم الصحافة علمًا وممارسةً يدرك أن الوطن أولًا، وأن المواطن قد يهلك ويموت جوعًا إذا انشغلنا عنه بتحقيق صحفي بلا قيمة إنسانية.

وفي بعض الحالات، قد يُعرض الصحفي نفسه للخطر حين يصر على قضية تمس الطفولة أو امرأة انتُهكت حقوقها، ويرفض الإغراءات المالية مقابل التوقف عن النشر، وقد يواصل عمله حتى النهاية، حتى لو دفع حياته ثمنًا لذلك.

مؤخرًا في تعز تم اغتيال الصحفي مصطفى الأغبري، وفي حادثة الزميل محمد العبسي… وغيرها من الشواهد التي تؤكد أن الكلمة في اليمن ما تزال تُستهدف كما يُستهدف أصحابها، وأن الصحافة ما زالت تدفع ثمن الحقيقة في بيئة معقدة ومفتوحة على كل الاحتمالات.

هؤلاء الصحفيون اليمنيون الذين لم يشبعوا يومًا من رغيف الخبز مع أطفالهم، ومع ذلك لم يتركوا قضاياهم. وكثير من الصحفيين، ووفقًا لتوثيق نقابة الصحفيين اليمنيين والمنظمات الدولية حتى عام 2026، قُتل ما لا يقل عن 45 إلى 49 صحفيًا يمنيًا نتيجة أعمال العنف المباشرة منذ بدء الحرب عام 2014.

ولا ننسى الزميلة رشا عبد الله الحرازي، الصحفية والمصورة التي قُتلت في عدن في نوفمبر 2021 إثر تفجير عبوة ناسفة لاصقة وُضعت في سيارتها، وكانت حاملاً في شهرها الأخير.

ولذلك، نصيحتي لكل صحفي: أن يبقى قويًا، وألا يخذل الضعفاء، وألا يتراجع عن قول الحقيقة مهما كانت الكلفة.

وفي يوم الصحافة اليمنية، نستذكر زملاء رحلوا وهم يحملون أقلامهم، وآخرين ما زالوا خلف القضبان أو في المنافي وعلى أرصفة المعاناة. فالصحافة في اليمن لم تكن يومًا رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني، وسلاحًا في مواجهة الفساد والانتهاكات وتزييف الحقائق.

نحتفي اليوم بالصحفي الذي تمسك بالحقيقة رغم الجوع والتهديد والتشويه، وبالمراسل الذي خاطر بحياته لينقل الواقع كما هو، وبكل من جعل من الكلمة موقفًا ومن الصحافة رسالة تتجاوز المصالح والاصطفافات الضيقة.

الوطن لا يحتاج إلى المادحين بقدر حاجته إلى الشهود الأمناء. لذلك سيبقى الصحفي الحقيقي منحازًا للحقيقة والإنسان والوطن، لأن الكلمة الصادقة قد تُحاصر وقد يتأخر صداها، لكنها في النهاية تصل وتبقى، بينما يذهب كل شيء سواها.

#يوم_الصحافة_اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *