صنعاء – تحقيق خاص_أحمد حوذان
في بلدٍ أنهكته الحروب منذ أكثر من عقد، لم يعد صوت الرصاص هو الأعلى، بل صدى الخوف الذي يخيّم على الجامعات وقاعات الدرس. في اليمن، تحوّل التعليم إلى ساحة حرب فكرية تُدار فيها معارك السيطرة على الوعي، لا على الأرض.
منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء عام 2014، انطلقت حملة صامتة تستهدف الأكاديميين والمفكرين والمعلمين. الهدف لم يكن الجسد، بل العقل. الجماعة التي ترفع شعار “الموت لأمريكا” وجّهت رصاصها إلى من يحمل القلم قبل البندقية.
اختطاف العقول: قضية حمود العودي
في نوفمبر 2025، هزّ الشارع الأكاديمي اليمني خبر اختطاف البروفيسور حمود العودي، أحد أبرز المفكرين في علم الاجتماع، من منزله بصنعاء، مع رفيقيه عبدالرحمن العلفي وأنور خالد شعب.
العودي الذي عُرف بصوته الحر وقراءاته النقدية الجريئة للمجتمع اليمني، كان يشكّل رمزاً نادراً للاستقلال الفكري، ما جعله هدفاً مباشراً لحملة ممنهجة لتكميم الأفواه.
إحدى زميلاته في جامعة صنعاء رفضت الكشف عن اسمها لدواعي أمنية قالت:
“اختطاف العودي ليس مجرد حادثة، بل إعلان حرب على الفكر، على كل من يحاول أن يُعلّم طلابه كيف يفكرون لا كيف يطيعون.”
الجهل كسلاح
بحسب تقارير حقوقية، قُتل وأصيب أكثر من 130 أكاديميًا منذ عام 2014، وتم اختطاف أكثر من 630، وفصل 160 أستاذاً جامعياً من وظائفهم، فيما تسرب أكثر من 4.5 مليون طالب من التعليم.
يقول الدكتور فاروق الصباري:
“الجهل هو الحصن الأخير للحوثيين. كلما ازداد وعي الناس، اهتزت سلطتهم.”
أما الدكتور محمد المصباحي فيضيف:
“استهداف الأكاديميين محاولة لاغتيال الوعي. الجماعة تخاف من التعليم أكثر من الدبابات.”
جامعات بلا علم
داخل الجامعات التي كانت يوماً منابر للنقاش الحر، أصبح الولاء أهم من الكفاءة.
تم استبدال الأساتذة المحايدين بعناصر موالية، وتحولت المحاضرات إلى أدوات تعبئة فكرية، والمناهج إلى وسيلة لغرس رواية أيديولوجية مغلقة.
يقول أحد طلاب جامعة صنعاء:
“كنا ندرس الفكر، الآن ندرس كيف نمجّد القائد.”
نهاية مفتوحة.. ووعد بالعودة
في بلدٍ تتساقط فيه القذائف، لا شيء يبدو أخطر من سقوط الفكرة. ومع كل أستاذ يُختطف، يُطفأ مصباح جديد في نفق الجهل الطويل.
ورغم الظلام، يواصل اليمنيون – أساتذة وطلاباً – النضال من أجل أن يبقى في هذا الوطن متسع للعقل والكلمة.
فكما كتب أحد الطلاب تعليقاً على خبر اختطاف العودي:
“قد يسجنون الأستاذ، لكنهم لن يسجنوا الفكرة.”